عبد الملك الخركوشي النيسابوري
508
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
ولما حضرت يوسف بن أسباط الوفاة شهده حذيفة فوجده قلقا ، فقال : يا أبا محمد ، أهذا أوان القلق والجزع ؟ فقال : يا أبا عبد اللّه ، كيف لا أقلق ولا أجزع ، واللّه إني لا أعلم أنى صدقت اللّه عزّ وجلّ في شئ من عملي ، فقال حذيفة : وا عجبا لهذا الرجل الصالح الذي يضرب به المثل ، يحلف عند موته أنه لا يعلم أنه صدق اللّه تعالى في شئ من علمه . وعن حذيفة بن اليمان أنه قال : شدّ شدّك يأبى قلبي إلا حبك . وعن عبد اللّه الأصبهاني قال : سمعت بعض أصحاب الشبلي يقول : كنت جالسا عند رأسه وقت وفاته ، ففتح عينيه فنظر إلينا ، فقلت : يا سيدي كيف تجد حالك ؟ فقال : قد وصلت إلى محبوبىّ ! وفارق الدنيا ، وهو آخر كلام يتكلم له . وعن المغازلي قال : دخلت على شيخ من أصحاب هذه القصة وهو عليل ، وهو يقول : يمكنك أن تعمل ما تريد وارفق بي . ودخل بعض المشايخ على ممشاد في وقت وفاته ، فقال له : فعل اللّه تعالى وصنع - من باب الدعاء - فضحك ثمّ قال : منذ ثلاثين سنة تعرض علىّ الجنّة بما فيها فما أعرتها طرفي . ويقال : لما حضرت وفاته اجتمعوا حوله ، فقال له بعضهم : يا أبا على ، كيف تجد العلة ؟ قال : قل للعلة كيف تجدني ؟ فقالوا له : أردنا قلبك ، فقال : منذ ثلاثين سنة فقدت قلبي . وقيل لرويم عند الموت : قل لا إله إلّا اللّه ، فقال : لا أحسن غيره . ودخل جماعة من الناس على الشبلي في وقت وفاته وهو يقول : يجوز يجوز ، فقيل له : ما معنى قولك يجوز يجوز ؟ فقال : خلق اللّه تعالى النفس ، وأشرك بين النفس والروح ، فعملا واتّجرا سنين كثيرة ، فتحاسبا فإذا بهما قد خسرا وليس معهما ربح ، وقد عزما على الافتراق ، فأنا أقول شركة لا ربح فيها يجوز أن يقع بين الشريكين الافتراق . وقال بعضهم : دخلنا على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه ، وهو يفدّيه بنفسه ، فرفع رأسه إلى السّماء وقال : اللّهمّ إنك تعلم أنى لم أحب البقاء في الدّنيا لبطر ولا لفرح . وقال مالك بن دينار أيضا : لولا أنى أخاف أن أكون بدعة ، لأمرتكم إذ مت أن تشدوا يدي بشريطة ، فإذا قدمت على اللّه عزّ وجلّ فسألني - وهو أعلم - ماذا حملك على ما صنعت ؟ قلت : يا رب ، لم أرض عن نفسي ساعة قط .